المقريزي

186

المقفى الكبير

هذا فردّه إليّ وقال : ما له صوت ، فحلفت بالطلاق أنّه لا يسكت . فقال : أو سكت ؟ قال : نعم . قال : أنت حانث . ( قال الشافعيّ ) : فتبعته فقلت له : يا رجل ، كيف حلفت ؟ قال : حلفت بما سمعت . فقلت : صياحه أكثر أم سكوته ؟ قال : صياحه . فقلت : مرّ ، فإنّ امرأتك لك حلال . قال : فما أصنع ، وقد أفتاني مالك بما أفتى ؟ [ فقلت : ] عد إليه فقل له : إنّ في مجلسك من أفتاني بأنّ امرأتي لي حلال ، وأومئ إليّ ودعني وإيّاه . ورجع ورجعت وجلست فيما بين الناس . فقال له : إن رأيت أن تنظر في يميني ؟ قال : أليس قد أفتيناك بأنّك حانث ؟ فقال : في مجلسك من أفتاني بأنّ امرأتي هي لي حلال . قال : في مجلسي ؟ قال : نعم . قال : ومن هو ؟ فأومأ إليّ ، فقال لي مالك : أنت أفتيته بذلك ؟ قلت : نعم . قال : ولماذا أفتيته بذلك ؟ فقلت له : سمعتك تروي عن نافع عن ابن عمر أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لفاطمة بنت قيس : « إذا [ 148 أ ] حللت فآذنيني » ، فلمّا حلّت قالت له : « وقد خطبني معاوية وأبو جهم » . فقال : « أمّا معاوية فصعلوك لا مال له . وأمّا أبو جهم ، فلا يضع عصاه عن عاتقه » . وعلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ أبا جهم يضع عصاه عن عاتقه ويتصرّف في أموره . وإنّما نسب إلى ضرب النساء فذكر أنّه لا يضع عصاه عن عاتقه ، وحمله على الأغلب من أمره . وإنّي سألته فقلت : « سكوته أكثر أم صياحه ؟ » فقال : « صياحه » ، فأفتيته بذلك . ( قال ) : فتبسّم مالك وقال : القول قولك . ثمّ نظرني عبد الملك - يعني ابن جريج - فضرب بيده بين منكبيّ وقال : أفت ، فقد آن لك أن تفتي ! كذا وقع في هذه الرواية قول الشافعيّ لمالك : سمعتك تروي عن نافع عن ابن عمر [ . . . ] فذكره . وهذا الحديث إنّما رواه مالك في الموطّإ عن عبد اللّه بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن فاطمة ، وكذا هو في مسلم . [ درايته بمشتبه الحديث ] وعن يونس : سمعت سفيان بن عيينة يقول للشافعيّ : يا أبا عبد اللّه ، ما معنى قول النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « أقرّوا الطير في مكناتها » ؟ « 1 » . فقال : يا أبا محمّد ، كان الرجل من العرب إذا أراد سفرا أخذ معه طيرا ، فإن أخذ الطبر ذات اليمين ، مضى في سفره . وإن أخذ ذات الشمال رجع . وكان ابن عيينة قبل أن يسمع هذا من الشافعيّ ، إذا سئل أجاب عن صيد الليل . فرجع سفيان إلى تأويل الشافعيّ .

--> ( 1 ) المكنة : البيضة .